عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
406
اللباب في علوم الكتاب
لمّا كان النّظر في أمر النّبوّة مفرعا على تقرير دلائل التّوحيد ، لا جرم ذكر عقيبه ما يدلّ على التّوحيد ، فقال : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ واعلم أنّ دلائل ملكوت السّموات والأرض على وجود الصّانع الحكيم كثيرة وقد تقدّمت . ثم قال : وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ أي : أن الدّلائل على التّوحيد غير مقصورة على السّموات والأرض ، بل كلّ ذرّة من ذرات العالم ، فهي برهان قاهر على التّوحيد ، وتقريره أن الشّمس إذا وقعت على كوة البيت ظهرت ذرّات ، فيفرض الكلام في ذرّة واحدة من تلك الذرات . فنقول : إنّها تدل على الصانع الحكيم من جهات غير متناهية ؛ لأنّها مختصة بحيّز معين من جملة الأحياز التي لا نهاية لها في الخلاء الذي لا نهاية له ، فكلّ حيّز من تلك الأحياز الغير متناهية فرضنا وقوع تلك الذّرة فيه كان اختصاصها بذلك الحيّز من الممكنات والجائزات ، والممكن لا بدّ له من مخصّص ومرجح ، وذلك المخصص إن كان جسما عاد السّؤال فيه ، وإن لم يكن جسما كان هو اللّه تعالى . وأيضا فتلك الذّرّة لا تخلو من الحركة والسّكون ، وكلّ ما كان كذلك فهو محدث ، وكل محدث فإنّ حدوثه لا بد وأن يكون مختصّا بوقت معيّن مع جواز حصوله قبل ذلك وبعده واختصاصه بذلك الوقت المعين الذي حدث فيه ، لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص قديم ثمّ إن كان ذلك المخصّص جسما عاد السّؤال فيه ، وإن لم يكن جسما فهو اللّه تعالى وأيضا فتلك الذرة مساوية لسائر الأجسام في التحيز والحجميّة ، ومخالفة لها في اللّون والشّكل والطبع والطعم وسائر الصّفات ، فاختصاصها بكلّ تلك الصفات التي باعتبارها خالفت سائر الأجسام ، لا بد وأن يكون من الجائزات ، والجائز لا بد له من مرجح ، وذلك المرجح إن كان جسما عاد البحث الأوّل فيه ، وإن لم يكن جسما فهو اللّه تعالى ، فثبت أن تلك الذرة دالة على وجود الصّانع من جهات تتناهى ، واعتبارات غير متناهية ، وكذا القول في جميع أجزاء العالم الجسماني والروحاني بمفرداته ومركّباته ، وعند هذا ظهر صدق القائل : [ المتقارب ] 2638 - وفي كلّ شيء له آية * تدلّ على أنّه واحد « 1 » ولمّا نبّه تعالى على هذه الأسرار العجيبة بقوله : وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ أردفه بما يوجب التّرغيب الشديد في الإتيان بهذا النظر والتفكّر فقال : « وأن عسى » ، و « أن » فيها وجهان : أصحهما : أنّها المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الأمر والشأن ، والمعنى : لعل
--> ( 1 ) البيت لأبي فراس . ينظر الأشباه والنظائر ص ( 3 ) ، والبحر المحيط 4 / 430 ، وروح المعاني 9 / 128 ، والرازي 15 / 77 ، وحاشية الشهاب 4 / 240 .